ثقافة كيف يمكن من الآن فصاعدا تناسي المخرج السوداني محمد كردفاني؟ بقلم الناقد السينمائي طاهر الشيخاوي
بقلم الناقد السينمائي طاهر الشيخاوي- مراسلنا من مهرجان كان
كيف يمكن من الآن فصاعدا تناسي المخرج السوداني محمد كردفاني؟ شريط طويل أوّل، "وداعا جوليا"، مشاركة غير مسبوقة للسودان في مهرجان كان. لو اختير الفيلم في المسابقة الرسمية لوجدنا ذلك طبيعيا بل كنا نفضل أن يكون الأمر كذلك بالنظر إلى مستوى بعض الأعمال التي ارتأت إدارة المهرجان -في دورته السادسة والسبعين- ادراجها في قائمة المتنافسين على السعفة الذهبية. ربما كانت الخشية أن يتجاوز عدد الأفلام الإفريقية النسبة المحتملة. لكن دعنا من التخمينات التي لا فائدة منها وإلا انزلقنا في ادعاءات باطلة ليست موضوعنا الآن.
تدور الأحداث قبيل تقسيم البلد. منى، مغنية سابقة تخلت عن شغفها بالموسيقى لارضاء زوجها المحافظ، تصيب طفلا إصابة خفيفة في حادث سيارتها، حركة مفاجئة تتسبب في مقتل أبيه وهو من الجنوب. تحاول منى التكفير عن ذنبها فتقترح على زوجة الضحية الاشتغال بمنزلها كمعينة...
أوّل ما يتبادر للذهن هو ما يبرزه الفيلم من مفارقة بين الوضع السياسي بالسودان وما يرمي إليه العمل.
إمرأتان تلتقيان بفضل سيناريو متقن لتفتحا لنا الطريق أمام جولة استطلاعية متعدّدة الأبعاد في أعماق المجتمع السوداني.
في الوقت الذي يعيش فيه البلد اضطرابا محزنا يمزّق المجتمع، يقدّم الفيلم "قراءة" عميقة ومنيرة لنزاعاته الباطنة. نؤكد على أهمية الكتابة لأن "وداعا جوليا" مثال لمكانة السيناريو في السينما. ليست العبرة، كما يتخيل العديد، في التحكم في الصياغة ونسج الخطوط الدرامية وفق منطق النجاعة التقنية بقدر وضع هذه المهارة في خدمة الصورة التي يرمي إلى تشكيلها الفيلم.
فالشخصيات وبالتحديد الشخصيتان لا تجسّدان فئة معينة (هنا المسلمة و المسيحية أو الغنية والفقيرة أوبنت الشمال وبنت الجنوب) ولا حتى فكرة (التقاتل والتسامح، الحب والكراهية) لكن بالرغم من انتماء كلّ واحدة إلى ديانة معينة وفئة اجتماعية مختلفة فإنهما (والأمر يخصّ بدرجات متفاوتة كل الشخصيات) كائنان مركّبان ومتحرّكان، لا يسيران في اتجاه مرتقب أو منشود وإنما في دينامكية كلّها تعقيد لا يحلّ المشاكل بأبخس المصاريف.
نحن لا نعلم كل شيء عن منى ولكن تصرفاتها مع زوجها وخارج بيتها نقبلها لأن ماضيها يفسر ذلك ولكن يفسّر ذلك بقدر ما تقتضيه حاجتنا إليه. وكلما قدّم لنا المخرج معطى لانارة موقف معين فهمنا أنه أعدّ من المعطيات ما يجعلنا ننخرط في مسار منى. حتى وإن امتنع على مدّنا حينها بما يفسر تصرفها. حكمة ومهارة نادرتان في سينماءاتنا الثقيلة أخلاقيا وايديولوجيا.
والأمر كذلك أيضا بالنسبة لجوليا. ثم تطور الشخصيتين يرتكز بصورة خفية على جدلية علاقتهما ببعضهما. لم نكن متيقنين من أن جوليا أدركت الدوافع الحقيقية وراء سخاء منى فالمخفي يضاهي المعلن بل يتجاوزه أحيانا. لذلك جاءت الحوارات في غاية من الثراء والذكاء ولذلك كان الشريط متعدد الجوانب تظافر فيه السيكولوجي والمجتمعي والسياسي.
نرجو أن يتحصّل الفيلم على جائزة وهو جدير بالتنويه في كل الحالات.

المخرج محمد كردفاني